الشيخ محمد هادي معرفة
137
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
يقول الطنطاوي : هذه الآية من المعجزات ، لأنّ هذا العلم لم يُعرف عند العرب ولاعند الأمم المعاصرين لهم ، وإنّما عرف في عصرنا الحاضر . فعليَّ أن اعلن وأقول لهم : إنّ هذه معجزة واضحة في القرآن ، فإنّ اللّه قد استدلّ بحسن صنعه وإتقانه على تفرّده بالقدرة والحكمة ، إذ جعل الحرارة سببا في حركات تلك العوالم التي كانت نارا محترقة ، ثمّ بواسطة هذه الدورات أزمانا برد ظاهر الشمس فانفصلت منه الأرض وغيرها من السيارات ، وأرضنا منها ، وكان هذا الحساب المدهش في سيرها والخلق البديع على ظهرها وإتقان كلّ شيء عليها . هكذا كان ذكره في القرآن مع جهل المسلمين وغير المسلمين من فُرس وروم وأمم أخرى بهذه النظرية التي لم تكن إلّا حديثا معجزة مدهشة ، فإنّ أهل أوروبا وهم الكافرون بنبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله عرفوا هذا الرأي ، عرفوا ذلك بعقولهم ، فالعقل البشري مستعدّ لمعرفة هذا من اتّباع الأسباب ومن درس العجائب في هذا الكون . « 1 » * * * هذا ، وقد استسلم الشيخ الطنطاوي للنظرة الحديثة عن أصل الخلقة ، وحاول التوفيق بينها وبين النصّ القرآني محاولة ظاهرها البتّ والقطع من الأمر . لكنّا نقول - كما يقول سيّد قطب وقد أسلفنا شطرا من كلامه في صدر هذا الحقل - : ونحن لانحاول أن نحمل النصّ القرآني المستيقن على نظرية غير مستيقنة ، تُقبل اليوم وقد تُرفض غدا ، لذلك لانحاول أن نوفّق بين النصوص القرآنية والنظريات التي تسمّى علمية ، وهي شيء آخر غير الحقائق العلمية الثابتة القابلة للتجربة ، كتمدّد المعادن بالحرارة وتحوّل الماء بخارا وتجمّده بالبرودة ، ونحو ذلك ، وهي شيء آخر غير النظريات العلمية . إنّ القرآن ليس كتاب نظريات علمية ولم يجئ ليكون علما تجريبيا كذلك ، إنّما هو منهج للحياة كلّها ، منهج لتقويم العقل ليعمل وينطلق في حدوده ، دون أن يدخل في
--> ( 1 ) - تفسير الجواهر ، ج 10 ، ص 198 .